لماذا نحلم أحلامًا غريبة؟
لماذا نحلم أحلامًا غريبة؟
كنتَ جالسًا مع صديقك، تتحدثان بشكل طبيعي. فجأة، وبدون أي مقدمة، تجد نفسك داخل طائرة. بعد لحظة، في مكان آخر تمامًا. ربما يظهر شخص لم تره منذ سنوات، أو يحدث شيء مستحيل… ومع ذلك، لا تشعر أن هناك خطأ.
كل شيء يبدو طبيعيًا داخل الحلم.
وعندما تستيقظ،
يظهر السؤال المتأخر: لماذا كانت هذه الأحلام غريبة إلى هذا الحد؟
وعندما نقول “غريبة”، فنحن لا نقصد الغموض فقط، بل هذا النوع من الأحلام الذي يبدو عشوائيًا : تحلم أنك ذاهب لتخطب، تسمع فجأة صوت دجاجة، فتقرر أن تسأل أباك عن المكيّف، وفي لحظة خاطفة يظهر باراك أوباما ليسألك بجدية:
لماذا تأكل فيزياء؟
!! أكل الفيزياء
عشوائية مرعبة.
لكن السؤال الأهم ليس: لماذا الحلم غريب؟
بل: لماذا لا يكون منطقيًا أصلًا؟
الغرابة ليست خطأ… بل آلية
علميًا، غرابة الأحلام ليست خللًا في الدماغ، بل نتيجة طبيعية لطريقة عمله أثناء النوم، وخصوصًا في مرحلة نوم حركة العين السريعة (REM).
الدماغ ليس وحدة واحدة تعمل بكفاءة ثابتة. أحد أجزائه الأساسية هو الفص الجبهي، المسؤول عن التفكير المنطقي، الترتيب الزمني، واتخاذ القرار.
أثناء النوم، ينخفض نشاط هذا الجزء بشكل كبير، قد يصل إلى 20% أو 30% فقط، ويختلف ذلك من شخص لآخر.
في المقابل، تنشط مناطق أخرى، أبرزها اللوزة الدماغية، المسؤولة عن الذاكرة والمشاعر.
النتيجة؟ منطق منخفض + مشاعر وذكريات نشطة = فوضى منظمة.
لهذا لا يبدو الانتقال من جلسة عادية إلى طائرة أمرًا غريبًا داخل الحلم، لأن الجزء المسؤول عن قول: “هذا غير منطقي” ببساطة غير حاضر.
الدماغ لا يحكي قصة… بل يربط إشارات
نحن نحب أن نعتقد أن الحلم قصة متكاملة، لكنه في الواقع أقرب إلى تركيب تلقائي لإشارات متفرقة.
أثناء النوم، الدماغ:
يعيد معالجة ذكريات حديثة
يربطها بذكريات قديمة
يدمج مشاعر لم تُحلّ خلال اليوم
هذه البيانات لا تُرتّب زمنيًا، بل تُجمّع بناءً على التشابه العاطفي أو الرمزي.
قد يكون صديقك في الحلم مرتبطًا بالأمان، والطائرة مرتبطة بالتغيير أو الهروب. الدماغ لا يشرح لك ذلك، بل يعرضه في صورة مشهد غريب.
لهذا قد ترى جاركم القديم الذي لم تره منذ عشر سنوات يدعوك إلى منزله، بينما يجلس أمامك دونالد ترامب وتشغّلون
Breaking Bad.
لا يوجد منطق… لكن هناك تدفّق.
لماذا تبدو الأحلام عشوائية تحديدًا؟
العشوائية سببها غياب ثلاث ركائز نستخدمها في اليقظة:
التسلسل الزمني
لا يوجد “قبل” و“بعد”. كل شيء يحدث في الآن.
الهوية الثابتة
قد تكون أنت، ثم شخصًا آخر، دون أي شعور بالتناقض.
قوانين الواقع
الجاذبية، المكان، وحتى الموت… كلها قابلة للتفاوض.
الدماغ لا يحتاج لهذه القوانين لأنه غير مطالب باتخاذ قرارات أو حماية الجسد في تلك اللحظة.
هل لهذه الأحلام معنى؟
هنا نصل للسؤال الأعمق:
هل الأحلام الغريبة مجرد ترهات، أم أنها تحمل رسائل؟
هنا يختلف التفسير بين مدرستين شهيرتين: فرويد وكارل يونغ.
فرويد
يرى أن الأحلام رسائل مشفّرة من العقل رغبات أو مخاوف لا يسمح لها الوعي بالظهور، فتظهر في الحلم بعد أن تتخفّى.
تحلم بأنك في اختبار وغير مستعد؟ هذا، عند فرويد، قلق حقيقي في حياتك.
لكن بسبب غياب المنطق، قد يكون الاختبار في مطعم أو مكان غريب. كلما كان الحلم أغرب، زادت درجة التشفير.
أما كارل يونغ
فيرى الأحلام لغة، لا رسالة.
لغة رمزية تعبّر بها النفس عن ذاتها.
رموز مثل “الظل” أو “الطفل” أو “البحر” ليست ثابتة، بل تختلف من شخص لآخر.
الظل، مثلًا، يمثل الجزء المظلم في داخلك: الصفات التي تخجل منها أو ترفض الاعتراف بها. قد يظهر في الحلم كرجل غريب أو مخلوق مخيف.
والرسالة هنا ليست الهروب، بل المواجهة.
كما قال يونغ:
Dreams are the words with which the soul leads its soul .
“الأحلام هي الكلمات التي تقود بها النفس روحها”
في النهاية
رأيي الشخصي أرى أن الأحلام في جوهرها رسائل صادرة من عقلنا الباطن ذلك الجزء الذي لا نشعر بوجوده كما نشعر بعقلنا الواعي المنشغل بالتفكير اليومي. هذا العقل يواجهنا بحقائق قد لا نملك الشجاعة للاعتراف بها في اليقظة، فيلجأ إلى لغة الحلم ليقول ما لا نستطيع قوله صراحة.
أمور لا نستطيع قولها صراحة، أو نخشى الاعتراف بها، أو حتى نتجنب التفكير فيها، تظهر في أحلامنا على هيئة مشاهد غريبة وغير منطقية. وأحيانًا أخرى، تكون الأحلام انعكاسًا لأفكار تكررت داخلنا كثيرًا، فوجدت طريقها إلى النوم.
وحين نتحدث عن الأحلام الغريبة تحديدًا، فأنا أميل إلى اعتبارها رسائل مبطّنة، أو مشفّرة، يرسلها عقلنا اللاواعي. وإذا حاولنا فهمها وتحليلها بهدوء، فقد نكتشف أنها تعبّر عن مشاعر حقيقية نعيشها فعلًا، لكننا نرفض الاعتراف بها، أو نتجاهل وجودها.
وربما تكون الأحلام، بهذه الطريقة وسيلة لاكتشاف ذواتنا بصدق… أكثر مما نفعل ونحن مستيقظون.
لِـقاء.


مقالك لامس الموضوع من زاوية نفسية وفلسفية جميلة فعلًا، واستوقفتني فكرتك عن “الفوضى المنظمة”.
وأحب أضيف زاوية أخرى من منظور علمي ك كيميائية ، وبالتحديد من الكيمياء العصبية.
قد درست من الناحية الكيميائية الدماغية، الأحلام – وخصوصًا في مرحلة نوم REM – ليست ترفًا ذهنيًا، بل آلية إنقاذ.
الدماغ أثناء اليقظة يتعرض لضغط كيميائي مستمر: تراكم نواقل عصبية، شحنات عاطفية، وذكريات غير معالجة.
وخلال النوم، وخصوصًا أثناء الحلم، تحدث عملية إعادة ضبط كيميائية:
تنخفض بعض النواقل المرتبطة بالتوتر مثل النورأدرينالين، بينما يُعاد تنظيم السيروتونين والدوبامين، ما يسمح للدماغ بأن “يفرّغ” الشحنة دون أن ينهار تحتها.
بمعنى آخر:
بعض الأحلام الغريبة ليست عبثًا، بل طريقة الدماغ في النجاة بنفسه من الإرهاق العاطفي والعصبي.
لو لم تحدث هذه العملية، قد يصل العقل لحالة إنهاك خطرة، وهو ما أشار إليه ماثيو ووكر في كتابه Why We Sleep (لماذا ننام ) حين تحدث عن دور الأحلام في حماية الصحة النفسية وتنظيم الذاكرة والانفعال.
أما من زاوية إيمانية، فنحن كمسلمين لا نرى الأحلام على أنها نوع واحد فقط.
فبعضها رؤى صادقة،
وبعضها انعكاس لما نعيشه أو نفكر فيه،
وبعضها تحذير أو إشارة،
وبعضها – كما ذكرتِ – محاكاة لمشاعر عميقة تُعرض في صورة رمزية غريبة.
وهنا يلتقي العلم مع الإيمان بشكل جميل:
العلم يفسّر الآلية،
والإيمان يمنح المعنى.
فالحلم قد يكون:
تفريغًا كيميائيًا،
وتعبيرًا نفسيًا،
ورسالة رمزية،
وابتلاءً أو بشرى…
وكل ذلك لا يتعارض، بل يتكامل.
أظن أن غرابة الأحلام ليست دليلًا على فوضى العقل،
بل على محاولته المستمرة للفهم والاتزان والبقاء.
شكرًا لك، مقالك شدّني وأوقفني عند أفكاره. أسلوبك سلس، والطريقة التي قدّمتِ بها التساؤل قبل التفسير جميلة فعلًا.